حلق من أرواح


حِلقٌ من أرواح


وأنت تسیر على قدمیك في صباح الیوم التالي من ذلك الزمان وتحدیدا من مسراب " أم نمیلة " والذي یشق المنطقة الزراعیة في وسط القریة فانك ستشاھد حتما علي یمینك في أول الطریق وانت تتجه شمالا مزرعة صغیرة مكتضة بالاشجار المثمرة
، وستجد أشجار الرمان والحماط والخوخ والعنب وھي تكاد أن تحتك بالارض لكثرت ماتحمله من ثمار
، وسترى المكان وقد غطت فضاؤه أعواد الذرة الخضراء ، واكتست ارضه بالنجمة ( العتلة ) المنتشرة في المساحات الفارغة وستسمع صوت حامیات الطیر من على تلك العشاش والجمامیز وھن یطلقن تلك الاراجیز الجمیلة ( اررررررره ھیھیھیھي ) ( برقا برقا لقي شرقا ..ویلى اخوالي في ماطوة )وستسمع ایضا اصوات المقالیع وانبثاث الكباب بضم الكاف على أوراق وسبل الخریف بفتح السین والباء ، وستستمتع باصوات عوضة الاصنق والزعزعة والعصیفرة وطائر القواریر ، ولكنك ستجد ھناك ایضا ماسیتعب فؤادك ویدمي قلبك .
ستجد تحت احدى الاشجار كتابین مدرسیین مھملین تلعب بھما الریاح ، فمرة تغلقھما ومرة تفتحھما وكأن ھناك من یتصفحھما ، ولو دعاك الفضول لان تقترب منھما لوجدت ھذین الكتابین وتلك الاشجار ، بل وكل المزرعة وھي في حال من الحزن ..تبكي بحرقة وحق لھا ان تبكي .
بل لكأني بالقریة كلھا ترتج ذلك المساء بالبكاء والعویل ، فقد فجع الجمیع بالامس وفي ذات المكان بكارثة كبیرة وحادثة مريرة ، ھي والله أعلم الاشد والاقوى على القریة منذ مئات السنین .

فما الذي حدث في ذلك الیوم ؟ وأي كارثة حلت بالقریة ذلك المساء ؟.
تناولا طعام الغداء من طبق واحد فھما یسكنان البیت نفسه ، ابناء عمومة لم یفترقا طول حیاتھما،   وما ان تناولا طعامھما حتى حمل كل واحد منھما كتابه ، فھما في فترة الامتحانات النھائیة للمرحلة الثانویة ، وقد انتھوا في ذلك الیوم من امتحان بعض المواد ، وعلیھما الیوم الاستعداد لامتحان الغد ، وعلیھما في الوقت نفسه القیام ببعض الاعمال نیابة عن الاباء والامھات.
انطلقا الى مزرعة اسرتھما القریبة من البیت لیقوما بسقیھا بواسطة مضخة البنزین والتي كانت ھو الوسیلة الاحدث رغم خطورة وتعب ومعاناة التعامل بتلك الوسیلة ، حیث توضع تلك المضخة بالقرب من الماء اسفل البئر ، وعلى سقالة من الخشب قد لاتتجاوز مساحتھا مترا مربعا ، وقد علقت بحبال في اعلى البئر ، وغالبا مایكون عمق الابار العادیة یصل الى ثلاثین مترا ، وبقطر لایتجاوز المترین ، تدلى بجانب الحبال الحاملة للسقالة حبلین اخرین ، أحدھما لربط النازل لتشغیل المضخة والحبل الاخر للتمسك به .
جاء الوقت المناسب لاستخراج الماء من البئر.. بعد ان خفت حرارة الشمس ، فنزل أحدھما الى البئر دون ان یربط نفسه فقد تعود على ذلك فتربیط نفسه یعد بالنسبة له عائقا لسرعة العمل واضاعة للوقت ، ولكن كان ذلك في حقیقتھ تنفیذ لارادة الله .. فاذا جاء الاجل سبقه السبب .
وصل الى اسفل البئر وبدأ فورا في تشغیل المضخة
مما نتج عن ذلك انتشار غاز الكربون ولكنھا لم تعمل كعادتھا داخل البئر والتي ھي ضیقة اصلا ولا یوجد طریق لاخراج ذلك الغاز ، فأختنق ذلك الشاب ومن ثم سقط في البئر لیموت غرقا
انتظره إبن عمه والذي یعد كأخیه الشقیق وناداه مرارا دون ان یرد علیه ، قرر ان ینزل الیه لیكتشف الامر دون ان یدري بخطر ذلك الغاز ، فأختنق ھو الاخر وسقط مع أخیه في الماء .

تجمع الناس حول البئر في محاولة لانقاذ ھذین الشابین ، وكان ھناك من الناس من یقف بشدة امام البئر لیمنع كل من یحاول النزول حتى لا تتفاقم الكارثة ولكن ھل یستطیع ذلك الرجل منع ذلك الشاب القادم من بعید وبسرعة ھائلة .. لاأظن ذلك أن یمنع
وھل یستطیع كل من في المكان ان یمنعوا ؟ لا لم یمنعوه فبعد ان علم بان صاحبیه وابني عمه في خطر ، فلحق بھم لیكون ثالثھما ولیموت معھما ، لم ینتظر لحظة واحدة .
نعم ..لقد مات الثلاثة وھم من خیرة شباب القریة عاشوا معا وماتو معا وكأنھم حلقات سلسلة من فولاذ
لایمكن ان تفصل عن بعضھا سواء في الحیاة أو في الممات.
استمرت المحاولة لتخفیف غاز الكربون المنبعث من اسفل البئر حتى یتم انتشال الجثث ..ولكن دون جدوى مما جعلھم یستدعون فرقة للدفاع المدني من الباحة حیث تمكنت بمساعدة الاھالي من انتشال الجثث في وقت متأخر من اللیل.
غادر الجمیع المكان ـ وباتت المزرعة في حزن لایقل عن حزن اھلھا فقد اعتادت على تواجد أولائك الشباب واحبتھم ـ الى البیت لیجھزوا على الاكتاف فھاھي الان تودعھم وھم یحملون ، وفي الغد دفن الثلاثة في مقبرة القریة وسط احزان ولوعة اھل القریة بل والقرى المجاورة.
ظل الكتابان لحین من الوقت ینتظران صاحبیھما دون جدوى فقد غادرا ھذه الدنیا بصحبة صدیقھما وجارھما وابن عمھما الوفي ، لم ینتظروا انتھاء الامتحانات لیفرحوا بنتیجتھما ، فقد نجحا ھذا الیوم وبامتیاز ، فخلاصة التعلیم بر وتضحیة ومحبة ، فھاھم یثبتون وبالواقع العملي تشربھم لتلك القیم العالیة ، ویسطرون لنا بھذه النھایة اروع النجاحات .

رحمھم الله رحمة واسعة ورحم من مات من والدیھم ومتع من بقي بالصحة والعافیة واسكنھم الله جمیعا بیوت الحمد من الجنة جزاء صبرھم .

TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Edit in JSFiddle JavaScript