ورحلت إن شاء الله مُسفِرَة


ورحلت إن شاء الله مُسْفِرَة 

قد يكون العنوان غريبا ، وقد لا يفهم الا بعد الانتهاء من قراءة المقال ، فصبرا يا أهل البلاغة واللغة .

بسم الله الرحمن الرحيم 

هي لم تصب ببلواك ، رغم انها كانت مرشحة وبقوة لان تكون احدى ضحاياك ، فقد تعطل منها كل شيء تقريبا ومنذ ايام ، وهاهي اقرب اليك من اي وقت مضى ، وقد تكون حينذاك تتجول بحريتك في اروقة المستشفى الذي ترقد فيه ،  فلم لم تجرؤ في الانقضاض عليها ؟ 

لا تقل شيئا ،، فقد ثبت لنا ايها المسكين ان لاحول لك ولا قوه ، وانما انت تسير بقدر الله الى قدر الله ، فانت تصيب هذا وتترك ذاك ، وتتجاوز هذا لتقتل بتقدير الله هذه ، وتتخذ تلك او ذاك جسرا للعبور لمن كتب عليه اصابته بك ، نعم انت لم تظفر بها لتضيفها لقائمة ضحاياك . 

ولكنك اصبت منها ومن اقاربها مالم اظنك تقصده او تحلم به ، فقد اصبت من الجميع ماغفل عنه حتى الشيطان بمكره وكيده وحقده ، فقد حَجّمت التزاور بين الاحبة  ، فلم يستطع الاخ والاخت بل الوالد والولد من زيارة حبيب او قريب .

اعترف لك بنصرك المزيف على بعض قيمنا ، نعم نصرك مزيف ، فان تسببت في بُعد الاجساد فان القلوب لازالت وستضل في حب ووداد ، وان احسنت بمراجعتنا للكثير من عاداتنا ، فانك في الوقت نفسه احرمتنا ما تانس به قلوبنا ، فارحل عنا ياكرونا فقد اديت ما عليك خيرا او شرا ، فقد فقهنا دروسك الا من أبى .

رحلت ام محمد ولم تكتحل عيناها بروية احبتها ، رحلت واحبتها تتقطع افئدتهم لرؤيتها ولو للحظات قبل رحيلها ولكنها ارادة الله ، فله مع اهل البلاء والصبر والبر وعدا لا يخلف فبقدر المشقة والبلاء يكون الاجر .

قبل ايام تقرر ان تبتر قدمها وقبل ان يُعمل الجراح مشرطه فشلت كليتاها ثم ثم ثم تتابع فيه فشل اعضاء جسدها الواحد بعد الاخر ،  ولعل من رحمة الله بها ان تخرج من الدنيا بجسد قد عاث فيه الالم في كل اتجاه .

 قدمت الى ربها لتنال جائزة صبرها وتضحيتها فهي من وقفت مع زوجها في مرضه لسنوات ، كانت تنتقل معه من الشرقية للرياض في مواعيد مكوكية متعبة مرهقة ، جندت نفسها لخدمته وقد تكون حينها تعاني من مشاكل صحية ، ولكنها اثرت الصبر لتشعر زوجها واولادها بخلاف ما تخفيه . 

مات زوجها بمرضه النادر والذي كان يلازمه الاكسجين طوال وقته ، في نومه وصحوه ، في قيامه وقعوده ، في سفره واقامته ، وقد كان التعامل مع اجهزته المصاحبة له دقيقا وبحذر شديد ، ومع ذلك كانت له نعم الرفيق .
 
اطمئني ام محمد ، فما اصابك من مرض وفي هذا الوقت تحديدا ، اذ قل التزاور ومنع الحبيب من حبيبه ، الا لان الله يريد بك خيرا ، فان كان المسلم يوجر على الشوكة يشاكها فكيف بمن كان جسده كله مسرحا للالم والمعاناة وليس لوخز الابر فقط ، بل وما كنت تحملينه من هم  قد يفوق الام جسدك ، وحزنا على عدم رؤية اخوتك واخواتك بل واولادك ، في لحظة انت في حاجتهم اكثر من اي وقت ، لربما اراد الله ان يكون تعلقك به لوحده ، ليعوضك خيرا بهذا البعد عن احبتك بقربه منك ، فالله نعم الصاحب والسند متى ما صدق لجوؤنا اليه .

اطمئني ام محمد ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل بالاسماء ، وكان يغير منها مالم يتوافق مع رحمة الاسلام ، الم تقراي قول الله تعالى : وجوه يومئذ مسفرة ، ضاحكة مستبشرة ؟ فها انت قادمة على كريم ، قد محصك بالالم والمرض ، ويسر لك في حياتك خدمة الزوج وامه واولادكما دون تذمر وتضجر منك ، وفوق هذا انت قادمة اليه باسم كله تفاؤل ، لم يكن وليد اليوم بل كان رفيقك في الحياة منذ ولادتك ، فثقي تماما برب كريم .

يقول تعالى "وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة" فاسال الله ان تكوني يوم القيامة ممن اسفر وجهه برحمة ربه وممن يضحك فرحا ببشارته ، ولذلك عنونت مقالي بهذه العبارة  : ورحلت ان شاء الله مسفرة ، اي رحلت بوجه مسفر مستبشر .

ومضه 
قال صلى الله عليه وسلم : اذا مات ابن ادم انقطع عمله الا من ثلاث وذكر منها ولد صالح يدعو له ، وولد هنا تشمل البنين والبنات ، والاحفاد وهم أولاد الابناء والاسباط وهم اولاد البنات ، وكل ما كثرت الانفس زاد الاجر للوالدين وزاد البر بهما ، وعظم الخير وزاد للجميع .


علي بن سعد ساعد 
الاطاولة 1441/11/26

هنا بعض الردود والتفاعلات مع الموضوع 

إنَّا لله وَإنَّا اليه راجعون ، وأحسن الله عزائكم وعظم الله أجركم ، اللَّهُمَّ اغفر لها وارحمها رحمةً واسعة ، وتجاوز عنها بعفوك وكرمك يا كريم وأسكنها فسيح جنّاتك .

جزاك الله خير حبيبنا الغالي على ماسطرته أناملك في رثاء أم محمد رحمها الله ، وقد كانت بالفعل كذلك ، تحتسب الاجر في رعايتها وعنايتها بوالدة زوجها الجدة عتيقة ، فكانت الجدة عتيقة امدها الله بالصحة والعافية  تقضي معظم الايام عندها في بيتها أثناء حياة ولدها أحمد رحمه الله وكذلك بعد وفاته ، الى ان تدهورت صحة أم محمد من مرض السكري وأثر على نظرها ، فأنتقلت الجدة الى بيت إبنتها .

كم كنت عظيمة يا أم محمد في إحتساب الاجر وبذل الخير وصنع المعروف بكل إطمئنان ، وبلا تضجر في حسن تبعلك لزوجك والوقوف معه في السراء والضراء ، وكذلك لرعايتك وإهتمامك بوالدته ، فاسأل الله أن يكتب لك الاجر ويعظم لك المثوبة وأن يغفر لك ، ويرحمك رحمةً واسعة وأن يدخلك فسيح جناته .

أبو أسامة / سعيد بن عوضه أحمد 


TAG

هناك 3 تعليقات

  1. رحم الله أم محمد رحمة واسعة . وجزاك الله خيرا أبو عبدالله على ما كتبت

    ردحذف
    الردود
    1. اسأل الله العلي العظيم ان يشملها برحمته وان يغفرلها وان يجعل قبرها روضة من رياض الجنه ويجعلها في الفردوس الاعلى من الجنه يارب العالمين .

      حذف
  2. الله يجزاكم خير ويكتب اجركم ولا يريكم مكروه . ويرحم موتانا وموتاكم يارب

    ردحذف

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Edit in JSFiddle JavaScript