بائع الفرح



 بائع الفرح *
بسم الله الرحمن الرحيم

ومع يوم مولدي كان له بضاعة عجيبة ارتحل بها و لها في رحلة فرح مثيرة .
علي بن بخيت الباشة ، ابن عمتي شقيقة ابي رحمهم الله جميعا ، رجل له مع البر والتجارة حكايات وحكايات . فادخال السرور على الناس صغارا او كبارا كان شعاره وادواته في خوض حياته المليئة بالمغامرات .
مشهد عشته ولازال في ذاكرتي ، كنت طفلا حينذاك ، رأيته وقد امسك بيد والده رحمه الله والذي بالكاد ينقل خطوته وبالكاد يمسك بيده شيئا فقد كان مرض الرعاش يزلزل منه اطرافه بل سائر جسده ، اصطحبه ليريه مشروعه البسيط في ترميم بيتهم الحجري ، وليدخل السرور عليه وليفرحه بذلك العمل .
نظر اليها والده وعلى وجههه بدت اسارير الرضى والسعد ، وقال دعوته التي لم اسمع قبلها ولا بعدها بمثلها : الله يعمرك وانا بوك ، فلا اظن دعوة ابيه الا اتت اكلها واستنزلت البركة من السماء ، فعاش ما يقارب التسعين عاما كلها مليئة بالعطاء .
عند ولادتي وكنت ثالث اختين ، فرح الجميع ، لعلمهم حينها بان ابي في نظرهم يستحق ان يكون له ابن فقد عاش ردحا من حياته وحيدا يتيما ، محروما من صحبة الاب والاخ والعم والخال ، وقد يكون اعتقاد لدى الناس حينها بافضلية المولود الذكر بينما البنات في الغالب اكثر بركة واوفى صحبة وارق افئدة .
سافر الى خاله في مكة المكرمة ، يحمل معه قناديل الفرح ، ليكون ناقل سرور وبهجة ، ومبشرا بوصول الضيف المنتظر ، فلا غرابة ان يركب الصعب لذلك ، فمن كانت بضاعته الفرح لا تعيقه حواجر ولا تمنعه عقبات ، فماكان من خاله حين سمع منه بشارته الا ان قال له وهو سميك ، والسماوة حينذاك تعد اعظم كسوة واجمل هدية .
مرض والده لسنوات ولم اره خلال زياراتي المتكررة لهم او بما اعلمه عنه انه ابتعد عنه لحظة واحدة ، كان يجلس وينام بجواره ، وياكل ويشرب معه ، وكذلك فعل مع والدته رحمها الله ، فهو لم يغب عنها او يتركها حتى ماتت ، فما اجمل ان تكون بضاعتك الفرح وان يكون والداك واقاربك اول المتبضعين في سوقك .
تراه ليلة الاربعاء ، ليلة السوق وهو يعد العدة لمبسطه المعتاد وتجارته البسيطة والتي كانت متخصصة فيما يهم الاطفال ويسعدهم ، فهم ينتظرونه من الاسبوع الى الاسبوع ، كان يحمل بضاعته على راسه من جنوب القرية الى شمالها ، فما ان يصل السوق وتطلع الشمس صبيحة الاربعاء حتى يكون قد انتهى من عرض بضاعته.
كان يعطي والدته صلاحية بيع الفرح لاسعاد كل طفل يدخل بيتها من بضاعته دون مقابل .
لم يكن الاطفال هم الوحيدون الذين ابتاعوا منه الفرح ، بل كان هناك فئة لم ينسهم ، فحقق لهم رغبتهم ، فهاهم المعلمون المقيمون لهم متطلبات خاصة لا توجد في المجتمع او السوق القروي انذاك .
فوجئ اهل القرية ومن كان فيها او مر بها ذات يوم بمبسط غريب في احدى ساحات السوق ، خضار منوعة مفروزة كل نوع لوحده جرجير فجل بقدونس ملوخية سلك سبانخ ، بضاعة لم تكن معروفة قبل ذلك بل كان الناس يسخرون من بضاعته بل ان بعضهم كان يرمي بكلمات تهكميه ،يبيع علف ، من ياكل خرابيطك هذي ، الصلاح من الله ، وماهي الا ساعة حتى لم يبق المعلمون منها اثرا .
هكذا كان مع الفرح وهكذا كان يتلمس حاجات من غفل عنهم السوق فغامر لاجلهم رغم السخرية والاستهزاء احيانا من بضاعته التي كان البعض يعدها من الكماليات في حين كان يعدها البعض من الضرورات ، فاذا بمن عتب عليه بالامس يعجب به وبذكائه ، ان ادخال السرور على الصغار والكبار تجارة رابحة لايوفق لها كل احد .
فاللهم كما اسعد ابويه ببره وملازمته لهم في شبابهم وشيخوختهم وهرمهم حتى موتهم وكما اسعدنا ونحن اطفال واسعد الجميع دون تخصيص ، فاللهم اجعل ذلك له ذخرا وسببا في ادخاله رضاك وجنتك .

* / بائع الفرح عنوان ملهم اقتبسته من مشاركة الاخ عائض بن أحمد قلولي هنا في تغريدة الاخ سعيد بن علي الباشة .
علي بن سعد ساعد
الاطاولة 1441/11/25

TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Edit in JSFiddle JavaScript